لحن الكلمات
الزائر الكريم، أنت لم تقم بالتسجيل عندنا.. ويشرفنا انضمامك لأسرتنا، لتكون واحدًا منّا. إن كنت تتوفر على رصيدٍ مسبق نرجو أن تقوم بتسجيل الدخول.



 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة صبري موسى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الظاهر بيبرس
عضو فضي
عضو فضي


عدد المساهمات : 370
تاريخ التسجيل : 24/09/2009
العمر : 40
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: قصة صبري موسى   الأربعاء أكتوبر 21, 2009 10:26 pm


كان الطريق الزراعي الجديد يمتد مصقولا وسط الحقول الخضراء المنبسطة أمام عيني الأستاذ صفي ، وهو مسترخ وراء عجلة القيادة في سيارته المجددة التي تنهب ذلك الطريق الجميل نهبا، لتدخل به إلى مشارف القاهرة قبل أن يدخل الليل...، وهو مسترخ وراء عجلة القيادة في
سيارته المجددة التي تنهب ذلك الطريق الجميل نهبا، لتدخل به إلى مشارف القاهرة قبل أن يدخل الليل...


لقد ترك وراءه منذ لحظات مدينة كفر سعد الصغيرة التي كانت كفرا منذ سنوات قريبة، وترك وراءه أيضا طريق الميناء الجديد، ولا تزال أمامه ساعتان قبل الغروب والقيادة متعة في ذلك التوقيت من النهار المشحون بالشجن، حيث يحل التعب بكل المخلوقات بعد عناء اليوم.. فترك الأستاذ صفي لأفكاره العنان.. وكان قد ساءه أنه لم يستطع التعرف على عدد من الشجيرات الخضراء النابتة في الحقول التي كان يمربها... كيف وأبوه فلان ابن فلان؟... ألهذه الدرجة قد اقتلعتك المدينة من جذورك ياصفي، بصخبها وطموحها؟... "

وهكذا بدأ- كعادته- يلوم نفسه، ويلوم المدينة والمدنية والطموح.. والحضارة والوزارة.. والرجعية والإقطاع.. والانفتاح والثورة.. والثقافةوالمثقفين...؟
أخذ الأستاذ صفي يلوم كشف شيء لأنه كان من- ذلك النوع الإنساني الحديث المتوتر، الذي اختلطت أمام عينيه المعايير والقيم، في المفاهيم التي كانت مستقرة لا ومتعارفا عليها، بالأكاذيب والنواقص.. دون أن يستطيع منع هذا الاختلاط، أو حتى الوقوف في مواجهته..
وخلال هذه الزيارة السريعة لقريتهم كي يتلقى العزاء في وفاة عمه، دخل في مناقشة مع خاله الفلاح حول الزراعة في البلد الآن، وكان خاله يبدو مقهورا وهو يقول بغضب: " نحن الآن نزرع التفاح، والأناناس والفراولة.. ثم نستدين لنشتري القمح الذي نصنع منه خبيز اليوم! " .
وقال الأستاذ صفي لنفسه معزيا: "لا عليك ياصفي.. فحتى المفاهيم الزراعية نفسها قد اختلطت الآن أيضا..!
وخرج من شروده حين لاحظ رجلا يلوح له بابتهال على جانب من الطريق، عند حافة الحقول.. كان قد تجاوزه بشروده وسرعته فقال لنفسه " لابد أنه يطلب توصيلة، فلماذا أتوقف لآخذه، ثم أتوقف بعد ذلك لينزل من السيارة حيث يريد، وأعطل نفسي..؟ "
... لكن الابتهال، ولعلها اللوعة التي التقطتها ذاكرته في تلك اللفتة السريعة إلى الرجل، قد جعلته يفكر "ربما يكون الرجل مريضا أو عجوزا متعبا، أو ربما يستغيث من شيء أو يريد اللحاق بشيء.. ولسوف يظل منصوبا في تلك البقعة المقطوعة من الطريق، في ذلك الوقت المهيض من آخر النهار حيث يقل مرور العربات.. ولن يتوقف له أحد.. فلا تكن مثل بقية الناس ياصفي... ".
وأوقف الأستاذ صفي سيارته وعاد بها إلى الخلف حتى حاذى الرجل، وما كاد يتوقف أمامه حتى اندفع الرجل وفتح باب السيارة متهللا ودخلها على الفور دون استئذان، وجلس إلى جواره.. فشعر الأستاذ بعدم الارتياح والندم
لم يكن شكل الرجل أيضا يدعو للطمأنينة.. كان حليق الذقن نظيف الملابس، لكنه زائغ العينين يرسل منهما بريقا متقطعا لا يريح من ينظر إليه.. وكان يضم إلى صدره لفافة طويلة من ورق الصحف، بعناية شديدة ملحوظة، فرمقها الأستاذ صفي بريبة.. ولم يجد في نفسه الشجاعة ليسأله عنها! ورغم أن الرجل قد أخذ ينهال على الأستاذ بالثناء والدعوات منذ جلوسه، لكن الأستاذ لم يستطع أن يخفي ريبته وهو يسأله:
- رايح فين؟
قال الرجل بلهجة سريعة وباردة:
- رايح لأمي.. عيانة ورايح أشوفها قبل ما تموت!

في الحقيقة لقد مست هذه الجملة قلب الأستاذ صفي، ولولا ذلك الشعور بالقلق والارتياب لضحك لتلك الإجابة المحزنة.. فهل من المفروض أن يعرف هو في أية بلدة تقيم أم هذا الرجل؟!
لكنه على العموم قد هدأ قلقه قليلا، وسأل الرجل: - أمك فين.. في أي بلد؟
قال الرجل:
- عشرين كيلو من هنا.. كفر دياب ولا مؤاخذة...
سقط قلب الأستاذ صفي في قدميه عند سماعه اسم البلدة.. كفر دياب.. وتذكر على الفور تلك الحوادث التي ذكرتها الصحف في الأسابيع الأخيرة، والتي اختفى فيها عدد من أصحاب السيارات بسياراتهم.. عند هذه البلدة بالتحديد.. كفر دياب.. نعم كفر دياب، إنه يتذكرها جيدا.. "يا خبرك أسود وهباب ياصفي، هذه هي نهايتك... ومية في المية هذه اللفافة التي يحملها هذا الرجل تضم السكين الكبيرة التي يذبح بها زبائنه..."؟
بدأ الأستاذ صفي يضطرب، وبدا ذلك ملحوظا من اضطراب عجلة القيادة بين يديه، حتى أن الرجل حذره بسرعة عندما أوشك أن ينحرف في اتجاه إحدى السيارات القادمة من الاتجاه المقابل.
وزاد الطين بلة أن الطريق قد بدأ يزداد وحشة مع ندرة السيارات التي تمر بهما، فركبته الهواجس.. وأخذ يقود السيارة بعين، بينما عينه الأخرى تراقب يدي الرجل واللفافة التي بينهما من طرف خفي...
وكان عقله الباطن وعقله الظاهر قد أخذا يلعنانه على غباوته التي أوقعته في هذا المأزق القاتل.. فلولا تعاطفه مع الضعفاء، وهوايته لفلسفة الأمور واندماجه في الطبيعة ومشاكل الزراعة، لكان قد أدرك من النظرة الأولى لهذا الرجل، مدى خطورته، ولكان قد
مضى في طريقه بأمان..؟!
وقال في نفسه: " لو كان فلان الفلاني مكانك لما توقف بسيارته المرسيدس لهذا الرجل في مثل هذا المكان، حتى لو رآه غارقا في دمه.. أو فلان، أو حتى فلان، أو فلان...
فهؤلاء الناس لا يضيعون وقتهم فيما لا يعود عليهم مباشرة بالنفع، ولا يفكرون في غير مصالحهم، وجميع خطواتهم محسوبة بتخطيط مسبق، وهي دائما في اتجاه المسئولين ومن بيدهم أعنة الأمور ومفاتيح المكاسب والوظائف القيادية.. ولا مكان فيها للمساكين
الذين يطلبون خدمة أو مساعدة.. "!
كان الرجل يتكلم عن أمه ومرضها، والأستاذ صفي مشغول عنه بهواجسه، وسمعه يقول إن أولاد عمه ينتظرونه على السكة ليأخذوه إلى البيت، فارتعدت فرائصه.. " تلك هي النهاية فعلا ياصفي وهكذا تتم المسألة.. هذا الرجل يذبح الضحية بتلك السكين التي
يحملها، وأولاد عمه يتولون أمر الجثة، ثم يفككون السيارة ويبيعونها على أجزاء..
وربما يقطعون الجثة أيضا إلى قطع صغيرة ويبعثرونها هنا وهناك، وتختفى ياصفي أنت وسيارتك ولا يسمع عنك بعد ذلك أحد.. "؟
استولى الخوف على قلب الأستاذ صفي بالفعل فأخذ ذهنه يعمل بنشاط وسرعة ليجد لنفسه مخرجا من هذا المأزق الخطر.. وحين رأى فلاحا يعالج جرارا وحوله بعض الأطفال والشبان، على جانب من الطريق، أدرك أن الله سبحانه وتعالى قد أرسلهم لإنقاذه، فاتجه ناحيتهم على
الفور وأوقف سيارته، ثم نظر إلى الرجل وهو ينفض الخوف عن نفسه ويزفر أنفاسه براحة وانتصار.. وأمره بالنزول من السيارة!
أخذ الرجل على غرة، ونظر للأستاذ مبهوتا مدهوشا دون أن يستطيع النطق...
لكن الأستاذ تعجله بغضب: انزل باقول لك، مش حاوصلك أبعد من كده...
تعثرت الانفعالات على صفحة وجه الرجل، وارتبكت يده وهي تبحث عن أكرة الباب ليفتحه...
وتعثرت قدمه وارتبكت وهو يحاول مغادرة السيارة.. فسقطت اللفافة التي كان يحملها بحرص في الدواسة، وانفتحت، ورأى الأستاذ بداخلها قطعة من القماش الشعبي مزينة بنقوش حمراء وصفراء...
وقال الرجل بانكسار وهو ينحني داخل السيارة ليجمع لفافته:
- دي حتة قماش اشتريتها لأمى تعملها جلابية، ربنا يجعلها من نصيبها.
دهش الأستاذ عندما وجد اللفافة المفتوحة خالية من السكاكين، وقد خيبت كل ظنونه...
وشعر بالخزي والاحتقار لكل تلك الهواجس السوداء التي ملأت نفسه وعقله، وعكرت صفوه.. ودفعته لهذا التصرف الشاذ مع إنسان بائس، يطلب معونته.. وقال للرجل بلهجة متعجلة تشبه الاعتذار: - اركب يا أخ.. اركب حاوصلك..!
لاحت لافتة كفر دياب، وهلل الراكب البائس قائلا بلهفة بائسة وهو يشير إلى رجلين نحيلين، يقفان أمام المقهى الريفي البائس المجاور للافتة:
- ولاد عمي واقفين هناك أهم...
ومال الأستاذ صفي بسيارته إلى جانب الطريق وأوقفها، ونزل الراكب البائس يعانق ولدي عمه ويسلم عليهما.. وأقبلوا جميعا على الأستاذ يشكرونه بحرارة ريفية على التوصيلة،وأصروا على أن يشرب فنجان قهوة قبل أن يواصل رحلته، ورجوه جميعا ألا يرفض تحيتهم
المتواضعة للتعبير عن الشكر...
وقبل أن يفكر في القبول أو الرفض، كان عامل المقهى قد أقبل حاملا فنجان القهوة تتصاعد منه أبخرة البن الطازج، فتناوله الأستاذ وقد أسقط في يده.

ومنذ تلك اللحظة اختفى الأستاذ صفي وسيارته ولم يسمع عنه بعد ذلك أحد .

صبري موسى

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصة صبري موسى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لحن الكلمات :: الزاوية الأدبية :: القصَّة-
انتقل الى: