لحن الكلمات
الزائر الكريم، أنت لم تقم بالتسجيل عندنا.. ويشرفنا انضمامك لأسرتنا، لتكون واحدًا منّا. إن كنت تتوفر على رصيدٍ مسبق نرجو أن تقوم بتسجيل الدخول.



 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 (المعرفة) قصة بقلم : شن كونغون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الظاهر بيبرس
عضو فضي
عضو فضي


عدد المساهمات : 370
تاريخ التسجيل : 24/09/2009
العمر : 40
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: (المعرفة) قصة بقلم : شن كونغون   السبت أكتوبر 24, 2009 11:06 pm



المعرفة

قصة بقلم: شن كونغوِن


كان "زانغ ليوجي" ، الحائز على درجة الماجستير في الفلسفة، هو الابن الوحيد لأحد الفلاحين المقيمين على نهر "نشا نغيجاغ". ولأنه وحيد أبويه، فقد كان محط رعايتهما البالغة حتى ناهز العشرين من عمره عام 1919، عام "حركة مايو الرابعة".
داوم الفتى على قراءة جريدتي "شنغهاي" و "بكين" لعدة أشهر إلى أن شعر بالضجر المقيت. ولما رأى ألاّ جدوى من بقائه في مدينة صغيرة كتلك، جمع بعض المال وعزم على مغادرة موطنه. وعلى حد التعبير الشائع في تلك الأيام، فإنه قد أصبح "واعيا سياسيًا" ، وأن تصير على هذه الحال فمعناه أنك صرت معدًا للانطلاق إلى معترك الحياة المرير.
انطلق باحثا عن المعرفة، واكتسب منها الكثير على مدى عشر سنوات وأكثر. لقد ألمَّ من كل فرع من فروع "المعرفة" الهامة بطرف، وبعد أن تخرج في كلية صينية، سافر إلى الخارج ونال شهادة عالمية من إحدى الجامعات الشهيرة. كان موضوع رسالته الأكاديمية وهو "فلسفة الحياة" - دليلا على عمق تفكيره وتبحره في معرفة الحياة. كان يدين بإنجازه الأكاديمي للتوجيه الحصيف من قِبَل أحد معلميه في معهد
البحث؛ رجل عجوز حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ويتمتع بسمعةٍ عالمية واسعة.
إنه يثق بمعلمه ذاك كثقته بإله.وكالعديدين غيره، لم يستطع "زانغ" أن يتلاءم مع مجتمعه، لقد أراد أن يسهم بكل ما اكتسبه من خبرة ومعرفة، ولكنه - ولفترة غير قصيرة - لم يجد عملاً يناسبه. قد تكون إنساناً متمكنًا وذا خبرة، إلاّ أن تأكيد المجتمع ينصب كليًّا على التمسك بالتقاليد، ومن ثم لا يكون له بك حاجة.
تفكر في الأمر قائلاً: مادامت الفرصة في أن أبقى في مدينةٍ كبيرة غير مواتية، فلِمَ لا أرجع لألقي نظرةً على مسقط رأسي الذي لم يتطور بعد! وشعر بامتعاض لأن موطنه باقٍ على تخلفه، بل إنه قد فزع لمجرد ذكره، إذ إنه لم يتخيل أن يوما من الأيام قد يضطره إلى العودة إلى موطنه الأصلي. لكن... ها هو ذا يتأهب للرحيل عائداً إليه.
ولما استرجع ذكريات طفولته وتذكر منزله القديم، شعر بالحزن. لقد كان أخشى ما يخشاه هو أن يجد المكان لا يطاق ، صحيح أنه قد يكون المتعلم الوحيد بين القرويين، لكن - من يدري - فقد لا يفهمه أحدٌ من الناس إن هو تحدث، وقد لا يصغى إليه أحد إن شرع يعرض أفكاره على الملأ.
شعر بالوحدة. حين يكون المرء مدركاً لسمو معارفه وتميزه، يصبح من اليسير عليه أن يقع أسيرا لمشاعره: الوحدة والاغتراب. ووجد سلواه في فكر "نيتشه"، وكان كلما ازداد اقتراباً من موطنه، تعاظم شعوره بالاستعلاء. وقبل أن يصل بيته بمسيرة ثلاثة أيام، اجتاز ممراً في أحد الجبال، ومرَّ بفلاح عجوزٍ يعمل في الحقل. كان الوقت حارا، وقد بدا الرجل شديد الإرهاق. ثم لمح في ظل شجرة على جانب الطريق شاباً ينام بسلام تام توقف ليستريح، ودنا من الفلاح العجوز قائلاً:
- "في حرٍّ كهذا ، لِمَ لا يستريح شيخٌ مثلك؟" - "لا سبيل إلى ذلك.
لا بد لنا من الحصول على القوت، أكان الجو شديد الحر أم لم يكن."
- "ولم لا تدعو ذلك الفتى لمساعدتك بدلاً من استغراقه في النوم في الظل، ما الحكاية؟"
ومن دون أن يغير الرجل لهجته، قال ببرود:
- " إنه ليس نائما، إنه ميت. لقد لدغته أفعى سامة قبل قليل."
أجفل "زانغ" ونظر بحذر وتهيب إلى الفتى المستلقي بجواره. كانت ذبابة ضخمة قد استقرت على أنفه، وكان من الواضح أنه ميتٌ فعلاً . فسأل مباشرة وبإلحاح:
- "من هو؟"
كان الهدوء التام باديًا على ملامح الرجل العجوز وحركاته، ومن دون أن يظهر عليه أي اضطراب أو تشوش، مسح العرق من جبينه بكلتا يديه، وأقبل نحو الظل كي يدخن لبرهة.
- "إنه ابني." قال ذلك وقبض على الذبابة بأطراف أنامله ثم التقط ورقة من أوراق شجرة العنقاء وغطى بها وجه الشاب الميت.
- "ابنك؟ هل هو حقًا ابنك؟ ابنك يموت دون أن تبكي عليه؟ يا لك من رجل غريب!" ودَّ "زانغ" أن يقول ذلك لكنه أحجَم. غير أن الفلاح العجوز أدرك ما جال بخاطر محدثه، قال وكأنه يحدث نفسه وفي نفس الوقت يخاطب رجل المدينة:
- "كل الناس لابد أن يموتوا. إننا في أوقات القحط أو الفيضانات نجوع حتى الموت. وإذا ما أقبل الجنود أو قطاع الطرق إلى منطقتنا فإنهم يقتلوننا أيضًا. ليس من السهل أن تبقى على قيد الحياة، ثم إن الموت هو آخر المطاف. فهل عليَّ أن أقعد لأبكي عليه وأدع الأعشاب تكتسح الحقل؟ أي حكمةٍ هذه؟"
بعد أن سمع "زانغ" رأي الفلاح العجوز، ألفى نفسه عاجزًا عن قول كلمةٍ أخرى. وعاد الرجل إلى عمله في الحقل. ولمّا همَّ "زانغ" بمواصلة السير لمحه الفلاح وقال:
- "أيها السيد الشاب، عندما تمر بالقرية المجاورة، توقف عند الباب الثالث الذي أمامه الفناء. ذلك بيتي. اسمي "ليو" ، إنهم ينادونني "ليو العجوز". إن أبصرت زوجتي، لو تكرمت، أخبرها أن "دونغفو" قد مات، وقل لها أن تحضر طعامًا لشخص واحد فقط.
"حدَّث "زانغ" نفسه قائلاً: "أيها المغفل المهووس الذي بلا قلب! تقتل الأفعى السامة ابنك دون أن تكترث، كما لو أنكما مجرد بطتين تتعاركان في الماء. كل هذا ومازلت ترغب في غدائك وتضن عليه بغدائه!" ولمَّا وصل إلى "قرية أسرة ليو" ، أبصر امرأتين في فناء أحد البيوت تطحنان الفاصوليا، فسألهما عن مسكن "ليو" وأسرته. أجابتا معًا أنهما من أسرة "ليو" وسألتاه عما يريد.
- "إني أود أن أنقل توصيةً ما، وليس لي من طلب".
كان يتحدث بهدوء متذكرًا موقف رب الأسرة من الفاجعة المباغتة.
ثم قال بصوت خفيض:
- "إن ابنك قد قتلته أفعى سامة" وتطلّع إليهما قليلاً وواصل: "بعد أن لدغته الأفعى، مات على قارعة الطريق. وقد طلب مني زوجك أن أخبرك أن..."
أصغت إليه الامرأتان دون أن تهتز لهما شعرة أو يتغير لهما لون. قالتا بهدوء وقد بدوتا متماسكتين رابطتي الجأش: "نعم" وكأنما لتشعرا الرجل أنهما قد فهمتا ما قال، ثم واصلتا غرف الفاصوليا من دلوٍ بجانب الرحى التي راحتا تديرانها ببطء.
صعق "زانغ" من رباطة جأشهما وهدوئهما، ولم يتمالك أن تساءل:
- "كيف هذا؟
ألم تفهما ما قلت؟ ألم تصدقاني؟ اذهبا لتريا وتتأكدا بنفسيكما إن كان ما قلته
صحيحا أم لا."
قالت المرأة الأكبر سنًا:
- "لقد فهمنا. وقد صدقناك. ابني مات، وزوجي لا يزال حيًّا، أحدهما قتلته أفعى سامة في الحقول، بالطبع هذا صحيح."
- "لكنكما لم تظهرا أي تأثر لهذا، إن هذه نازلةٌ دون شك."
- "ولماذا يجب أن نتأثر؟ إننا في أوقات القحط أو الفيضانات نجوع حتى الموت.وعندما يقبل الجنود أو قطاع الطرق إلى منطقتنا فإنهم يقتلوننا أيضًا. ليس من السهل أن يبقى المرء على قيد الحياة. ثم أليس الموت هو نهاية المطاف؟ لقد مات. وإذا ما قعدت أندبه وأبكي عليه، فما الذي يستفيده هو من ذلك؟ وما عساي أستفيد أنا؟"
وعندما توارت المرأة في الداخل لتجلب له قليلاً من الماء، سأل الفتاة عن علاقتها بالشاب المتوفى. قالت:
- "كان أخي، وأنا أخته الكبرى."
- "أخته الكبرى؟.. ربما كان العجوزان قاسيي القلب، لكن ماذا عنك؟ ألا تحزنين لفقد شقيقك الذي هو من لحمك ودمك؟"
- "ولماذا يجب أن أحزن؟ قل لي..."
- "ولماذا لا تحزنين؟ قولي لي..."
- "إن أبوينا قد نشآنا كالجذوع. وقد سقطت الجذوع على التلال، وحزمت، وشدَّت في طوف. وعندما هبت الريح وسقط المطر، تحطم الطوف، بعض الجذوع غرقت، وبعضها طفت وجرفها التيار بعيدا، هذا هو ما يحدث على الدوام."
أقبل في تلك اللحظة شاب ريفي في حوالي العشرين من عمره. نادته الفتاة قائلةً:
- "كيشنغ، كيشنغ، إن أخاك الأكبر "دونغفو" قد قتلته أفعى، هذا ما أخبرنا به هذا السيد."
تطلَّع الشاب إلى "زانغ" ثم سأل: "هل هذا صحيح؟"
- "نعم، صحيح."
- "اللعنة، إن هناك الكثير مما يجب عمله في المنزل، ولكنه ذهب وأسلم نفسه
للأفعى لتقتله!".
اعتبر "زانغ" العائلة بكاملها من المعتوهين الذين تعوزهم المشاعر بالرغم من أن الشاب قد أظهر أنه يمتلك القليل منها. ولما لاحظ عليه أمارات الهم، ظن أنه لابد أن يكون كسير الفؤاد فشعر نحوه بالإشفاق، سأله:
- "إنك متكدر، صحيح؟"
- "إن موته قد كدَّرني بالفعل."
- "إن لك - إذن - بعض..."
وضعت إحدى الدجاجات بيضةً تحت كومة التبن بجوار المنزل وقاقأت كما لو أنها تنبههم لذلك، ثم قفزت طائرة فوق كومة التبن. مسحت الفتاة يديها بمريلتها وأسرعت لتلتقط البيضة الدافئة.
نظر الفتى إلى الغريب وكأنه كان قد نسي حديثه الودي معه. قال بلطف:
- "ما كان له حق في أن يموت الآن. كان عليه أن يبقى ليعمل في البيت حتى أتمكن عندئذٍ من الرحيل... أما الآن فإن أخي العديم المشاعر قد مات. إن عدم احترازه قد أفسد خطتنا تماماً..."
وراح الفتى يشرح ما كان قد عزم عليه هو وأخوه. أيَّ شيءٍ كان؟ ذلك ما لم يشعر "زانغ" بالحاجة إلى السؤال عنه. ومع ذلك، فإنه كان يترنح وهو يصغي لما يقوله الشاب.
يقال إن القرويين جد صادقين وصرحاء. وتساءل: هل هذا صحيح؟ ولم يجد بدًّا من التسليم بهذه الحقيقة لأن ما شاهده في الحقل وسمعه هنا قد بدَّد أي شك في مدى صحتها.
حين غادر لم يلبث أن حدّث نفسه قائلاً: "هذا هو ما لا بد لي من تعلمه!" وكان أول شيء فعله عندما استقر في بيته هو أن كتب إلى معلمه الخاص قائلا: "أيها الغشاش الكبير! كان من الواجب عليك أن تموت منذ أمدٍ طويل. لقد ظللت تحشو ذهني بالمعرفة على مدى عشر سنوات طويلة، لكنك لا تملك أدنى قدر من ذكاء فلاحي منطقتنا الأميين.
إنك غشاش رسمي وفقًا للقانون. كل ما تعرفه هو أشياء سخيفة لا يحتاج إليها أي إنسان. ما من شيء واحدٍ منها يحتاج إليه أحد. أقسم أنك غشاش كبير."
وبعد أن فرغ من رسالته تلك، قام بإحراق كتبه، وبقي في قريته المتخلفة يتعلم من الفلاحين كلَّ ما لم يتعلمه من قبل. وبعد فترة وزع أرضه للفلاحين الأجراء. وفي أحد الأيام أقبل الشاب كيشنغ "ليو" يبحث عنه، وارتحل الاثنان معًا دون أن يعلم بوجهتهما أحد.
ربما ظهر هذان الشخصان فجأةً في مكان ما يعانيان معا من البرد والجوع. ربما اعتبرهما الناس قاطعي طريق أو مجنونين، هاربين في كل اتجاه من مطارديهما وباقيين على قيد الحياة.
ومن يدري؟ فلعلهما قد ماتا سريعاً عقب رحيلهما. وفي كل حال، وكما قال "ليو العجوز" عنهما: "دع الموتى يموتوا، لكن على الأحياء أن يعيشوا حياةً كريمةً تليق بهم ... إنهما إن استطاعا أن يبقيا على قيد الحياة، فلا بدُّ لهما من أن يكونا قادرين على أن يعيشاها بكرامةٍ
تليق بهما ."


ترجمة: عبدالعزيز المقالح






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الانثى الحائره
المشرفة العــامة
المشرفة العــامة


عدد المساهمات : 4353
تاريخ التسجيل : 09/09/2009
العمر : 31
الموقع : ***قلـــبه***

مُساهمةموضوع: رد: (المعرفة) قصة بقلم : شن كونغون   الإثنين أكتوبر 26, 2009 10:36 am

....

حقاً لأنها قصه غريبه...والناس أيضاً غريبي الاطوار..لكن أتدري أعجبتني حكمتهم رغم أنها تدل على عدم الترابط والمشاعر الحنونه ...كأن الواحد يقول فيهم ((نفسي فقط))..
ومع هذا لربما الظروف جعلتهم هكذا ...وكونت لهم تلك الحكمه الغريبه...

عزيزي قصه تستحق الوقوف عندها...

مصافحتي لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الظاهر بيبرس
عضو فضي
عضو فضي


عدد المساهمات : 370
تاريخ التسجيل : 24/09/2009
العمر : 40
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: (المعرفة) قصة بقلم : شن كونغون   الإثنين أكتوبر 26, 2009 5:22 pm

شكرا لك الحائرة على مروركم الكريم، والصين بلد المليار إنسان تضج بالحكمة القديمة لبوذا وكونفشيوس
فلا بد أن تكون هناك أحيانا بعض الحكو التي تتسم بالغرابة والطرافة
وتقبلي تحياتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
(المعرفة) قصة بقلم : شن كونغون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لحن الكلمات :: الزاوية الأدبية :: القصَّة-
انتقل الى: